في إنجاز أثري بالغ الأهمية يعكس عظمة الحضارة المصرية القديمة ويؤكد على عمق التاريخ الممتد في أرض طيبة، شهدت منطقة الكرنك بمدينة الأقصر اكتشافًا فريدًا من نوعه تمثل في العثور على مدينة أثرية كاملة تعود إلى عصر الدولة الوسطى، إحدى أهم الحقب في تاريخ مصر الفرعونية. ويُعد هذا الاكتشاف بمثابة انفراد تاريخي وأثري، ليس فقط لأنه يكشف عن منطقة سكنية وحياتية كانت مفقودة، بل لأنه يعيد كتابة فصول مهمة من التاريخ المصري، ويُعزز فهمنا لطبيعة الحياة في تلك المرحلة البعيدة من عمر الزمن.
وقد جاءت تفاصيل هذا الكشف بعد جهود طويلة ومركّزة من قبل البعثة المصرية العاملة في نطاق معابد الكرنك، والتي واصلت أعمال الحفر والتنقيب في صمت لعدة أشهر، مدفوعة بأدلة أثرية تشير إلى وجود طبقات حضارية تعود لعصور سابقة على الدولة الحديثة. ومع استمرار التنقيب، بدأت ملامح المدينة القديمة في الظهور شيئًا فشيئًا، بدءًا من أساسات المباني، مرورًا بالأفران وورش العمل، وصولًا إلى الشوارع والمنازل التي كانت تشكّل نسيج الحياة اليومية في هذه المدينة الفرعونية المندثرة.
وقد أظهرت المعاينة الأولية أن هذه المدينة كانت تخدم أغراضًا معيشية وإدارية في آنٍ واحد، فهي تحتوي على وحدات سكنية تعكس التنظيم الاجتماعي السائد في تلك الفترة، إلى جانب ورش فخارية وصناعية، مما يدل على وجود نشاط اقتصادي متكامل، ويرجح أنها كانت مركزًا حيويًا ضمن منظومة الدولة الوسطى التي ازدهرت ما بين عامي 2050 و1710 قبل الميلاد. كما عُثر على بقايا أدوات منزلية، وقطع فخارية مزينة بنقوش، وعناصر معمارية تدل على مهارة البناء والتخطيط الذي كان يتمتع به المصري القديم.
وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في أنه يعكس جانبًا غير ديني من الحياة في منطقة الكرنك، التي اشتهرت تاريخيًا بمعابدها ومبانيها الدينية الضخمة، لكن وجود هذه المدينة يعيد التوازن لصورة المكان، ويكشف أن الكرنك لم يكن فقط مركزًا دينيًا، بل كان كذلك مركزًا مدنيًا نابضًا بالحياة، يحتوي على مقومات الحياة اليومية من مساكن وصناعات وأسواق.
وقد أبدى فريق العمل سعادته الغامرة بهذا الكشف، خاصة وأنه يفتح المجال أمام اكتشافات أخرى مستقبلية، حيث أظهرت المسوحات الأولية وجود امتدادات بنائية قد تقود إلى اكتشاف أجزاء جديدة من المدينة أو إلى مراكز إدارية أوسع، ما يشير إلى أن الموقع كان على الأرجح جزءًا من مشروع تخطيطي حضاري أوسع نطاقًا في عهد الدولة الوسطى.
ومن المنتظر أن تُستكمل أعمال التنقيب خلال الأشهر المقبلة، مع تطبيق دراسات تحليلية على المواد المكتشفة، للاستفادة القصوى من هذا الكنز الأثري الجديد. كما تخطط الجهات المعنية للحفاظ على الموقع وعرضه ضمن إطار سياحي وثقافي يليق بقيمته، حتى يكون متاحًا للزوار والباحثين من داخل مصر وخارجها، ليشهدوا بأنفسهم عظمة التاريخ الذي لا يزال ينبض بالحياة في أعماق أرض الأقصر.
ويمثل هذا الكشف الأثري إضافة كبيرة لرصيد مصر الحضاري، ويعزز مكانتها على خريطة الاكتشافات العالمية، كما يؤكد من جديد أن أرض طيبة ما زالت تخبئ بين طياتها أسرارًا تنتظر من يُميط عنها اللثام، لتكشف لنا عن وجوه جديدة لحضارة لا تزال تبهر العالم حتى اليوم.
مصري الان اخبار مصر لحظة بلحظة مصري الان اخبار مصر لحظة بلحظة